
دخلت عليّ الزميلة المتدربة، المنضمة حديثًا لفريق التصميم، وملامح وجهها تفيض بالحنق. لم يكن غضبها عابرًا، بل كان شعورًا بالتهديد الوجودي. كل ما في الأمر أن المدير طلب منها أن تجرب أداة ذكاء اصطناعي لإنشاء واجهات المستخدم، لا لشيء، إلا ليختصر عليها عناء البدء من الصفر في مشروع تجريبي.
بالنسبة لها، لم تكن «أداة»، بل كانت «إهانة» لأربع سنوات من الدراسة الجامعية، ومحاولة لنسف خبرتها قبل أن تبدأ. حاولتُ طمأنتها بأن الأمر مجرد مهارة إضافية، وسيلة لتوسيع المدارك لا لإلغاء العقل، لكن شرحي كان في مهب الريح إذ أنها تمسكت برأيها: "هذا الذكاء غبي، وهو بيضيع دراستي".
عذرتُ حماسها، لكن هذا المشهد أعادني فورًا إلى المتاهة الأشهر.
تكمن بساطة هذا الكتاب، الذي ألّفه سبينسر جونسون وكينيث بلانشاد وصدرت ترجمته عن مكتبة جرير، في كونه يحكي قصة أربعة فئران داخل متاهة، يمثّل كل منها رد فعل بشري تجاه التغيير المفاجئ؛ فحين يختفي «الجبن» الذي يرمز إلى الوظيفة أو الأمان أو الاستقرار، يبدأ الصراع.
بينما يتحرك البعض فورًا للبحث عن مصدر جديد، يظل الآخرون في أماكنهم، يصرخون: "من الذي حرك قطعة جبني؟". تمامًا كزميلتي التي رأت في الذكاء الاصطناعي يدًا غريبة عبثت بمكان جبنتها المعتاد، فاختارت الغضب بدلاً من الاستكشاف.
نحن نعيش في عالم لا يضمن استمرارية الأحوال. كل يوم تظهر «بروباغاندا» جديدة تثير الهلع، وتدّعي أن الآلة ستحل محل الإنسان. والحقيقة أن المسألة ليست في الآلة، بل في المرونة.
لقد تعلمتُ في مهنتي كمصمم أن القرارات الجريئة تحمل قدرًا من عدم اليقين، لكنها هي التي تصنع الفرق. نحن لا نبحث عن قطعة جبن واحدة تدوم للأبد، بل نظل في رحلة بحث مستمرة عن أنواع وأشكال متنوعة من الجبن؛ في عملنا، في علاقاتنا، وفي فهمنا لأنفسنا.
التغيير ليس عدوًا، بل هو دعوة للسير في اتجاه جديد. الخوف طبيعي، بل وربما يكون ضروريًا، لكنه يصبح عائقًا حين يحول بيننا وبين الوصول إلى «جبنة» أضخم لو قاومنا رغبتنا في البقاء بمكاننا قليلًا.
ربما من الأفضل أن تسير خائفًا حتى تطمئن، بدلًا من أن تتسمر في مكانك.