
من أين تأتي أفكارنا "الذكية" حقًا؟ ولماذا يسلك الوعي لدينا هذه المسارات المتعرجة في التفكير؟
لفهم ما يدور في تلك المساحة المظلمة داخل رؤوسنا، نحتاج أحيانًا إلى تفكيك الدماغ لمساحات أصغر يسهل استيعابها. هذا تمامًا ما يفعله "دين بِرنت" في كتابه الذي يُعد أساسيًا لكل مهتم بعلم الدماغ؛ إذ يقسّم تعقيداتنا البشرية إلى ثمانية فصول، يمسك كل واحد منها على حدة ليشرح بدقة هندسة "المحرك" الخفي الذي يوجّه سلوكنا.
يأتي الكتاب في نسخة صادرة عن دار "عصير الكتب"، من تأليف عالم الأعصاب دين بِرنت وترجمة عيسى عبدالله. ورغم كونه من الكتب التي تستدعي قراءة متأنية وجلسات تفكيكية مطولة، إلا أنني أجد فيه زاوية رؤية لا غنى عنها للمصممين، تتبلور تحديدًا في فصلين:
نتأثر بمن حولنا أكثر مما نظن؛ هكذا يبدأ الكاتب رحلته في فهم دوافعنا البشرية للتبعية. نحن نبحث دائمًا عن "القبول" في عيون الآخرين، ونعتمد عليهم لنشعر أن أفكارنا ورؤيتنا للعالم صحيحة. هذا الاحتياج الفطري هو ما أسس في مجتمعاتنا ما نعرفه بـ «وكالة يقولون»، حيث تنتشر القصص وتُصدّق ببساطة، ليس لأنها حقيقية بالضرورة، بل لأننا ندرك جيدًا أن المستمع مستعد لتصديق الحكاية حتى لو كانت مجرد وهم.
أحد الاقتباسات التي أذهلتني في هذا السياق، هو ما يعرّف بـ التأثير الاجتماعي المعياري (Normative social influence)، والذي يحدث عندما:
'يبذل المخ جهدًا لتكوين استنتاج أو رأي حول شيء ما ثم بعد ذلك يتخلى عنه إذا كانت المجموعة التي ينتمي إليها تخالف ذلك الرأي. بصورة مثيرة للقلق، كثيرًا ما يعطي مخنا أولوية، لـ «أن يعجب الآخرون» على «أن يكون صوابًا»." (صفحة ٣٥٠)
هذا الاقتباس يضعنا وجهًا لوجه مع التحيزات الذهنية التي نمارسها دون قصد؛ فكثيرًا ما نتخلى عن مبدأ منطقي لمجرد الرغبة في البقاء ضمن المجموعة، وهو أمر يتكرر كثيرًا في البيئات التصميمية وقرارات بناء المنتجات.
وإذا كان الفصل السابع يكشف كيف يُؤثر الآخرون على تفكيرنا، فإن الفصل الخامس يتعمق في دواخلنا: إلى اللحظة التي نستشعر فيها أنفسنا والأشياء من حولنا بحواسنا.
في هذا الجزء، ينتقل الكاتب ليوضح كيف تتفاعل حواسنا مع الدماغ، وكيف أن لكل حاسة تجربة مرتبطة بأماكن محفورة في ذاكرتنا. هل كنت تعلم مثلاً أن حاسة الشم هي أول ما ينمو عند الإنسان في رحم أمه؟ بل وتبيّن أن الجنين يشم الجزيئات التي تستنشقها الأم.
هذا الإدراك الحسي يقودنا إلى فهم مهارة دماغية مذهلة ذكرها الكتاب في الصفحة ٣٩:
"واحدة من أبرز مهارات المخ هي قدرته على تجاهل أي شيء يمكن التنبؤ به بسهولة، بصرف النظر عن أهميته."
توقفتُ طويلاً عند هذه الجملة؛ فهي تعيدنا للتفكير في مستخدمي منتجاتنا. التجربة السهلة التي يمكن التنبؤ بكل خطواتها وتتكرر برتابة، قد لا تدهش المخ ولا تترك أثرًا؛ فهي تسير في خط مستقيم ممل. بينما التجربة التي تحمل عنصر "المفاجأة" أو حتى تلك التي "تخيّب الظن" هي التي تبقى محفورة في الذهن طويلًا.
الكتاب ضخم، لكن ثقله مبرَّر؛ كل فصل يضيف طبقة لفهم لماذا يتصرف المستخدمون بالطريقة التي يتصرفون بها، وكيف أن أدمغتهم ليست مختلفة عن أدمغتنا. للمصمم تحديدًا، فصلا التأثير والحواس يستحقان التوقف عندهما، والسؤال الذي يتركك به: كم قرارًا اتخذته لأسباب تجهلها؟ حتى الآن؟