
ذهبت إلى معرض الكتاب أبحث عن كتاب يشرح لي سلوك المستخدم, وجدت كتابًا عن سلوكي أنا.
في ساحات معرض الكتاب عام 2025، كنت أبحث عن بوصلة في مجال تجربة المستخدم تسهم في تعزيز بناء وعيي الذاتي بعيدًا عن تراكم المعلومات. كنتُ قد اتخذت قرارًا قبلها بسنتين: أن أتوقف عن استهلاك المعلومات "السريعة" في المقاطع القصيرة والمشاهدات العابرة، وأعود لرزانة الورق. كنت أذرع المعرض ذهابًا وإيابًا، أبحث عن كتب لا تخبرني كيف صممت "أبل" واجهاتها، بل تخبرني: كيف تكونت سلوكياتنا أصلًا عند التفاعل مع الشاشات؟
اقتنيت كتابين. أحدهما كان يحمل عنوانًا "خفيفًا"، يوحي بأنه من الكتب التي تقرأها في فترات الانتظار. ركنته في المكتبة، وصوتي الداخلي يهمس لي في كل مرة: "هذا كتاب سطحي، لن يضيف لمصمم تجربة مستخدم مثلك شيئاً". لكن، وبعد أن أنهيت قائمة كتبي الدسمة، وفي لحظة تفكّر فتحت الغلاف.
من المقالة الأولى، أدركت أنني كنت على خطأ. (الاختلاف بين ما تراه، وما يراه عقلك)؛ هذا العنوان لم يكن درس في البصريات، بل مرآة أعادتني لصور التلاعب البصري التي نشاهدها في وسائل التواصل أحيانًا تحت عنوان «تشوفها كذا ولا كذا؟ ونراها بالشكلين فعلًا». نحن نرى شيء، وعقولنا تقنعنا برؤية شيء آخر. هنا، أخذت الكتاب على محمل الجد وتوقفت عن الاستخفاف به وأخذت أبحث بعمق خلف كل سلوك.
بترجمة ماتعة من ياسمين أبو طربوش، ومن إصدارات جبل عمّان، يأخذنا الكتاب في رحلة تفكيكية للنفس البشرية. تعطيك "الزبدة" في فهم السلوك والدماغ والشعور. المدهش في أسلوب الكتاب أنه لا يُغرقك في النظريات، بل يطرح المقال في صفحات بسيطة، مدعمة بالصور والأمثلة، ثم يختمها بدرس مستفاد لتغلق الكتاب وتتأمل في مشروعك الحالي وتفكر بالطرق الممكنة لتصب هذا المفهوم الجديد فيه!
خرجت بثلاث قناعات صغيرة، لكنها أعادت ترتيب طريقتي في التفكير لكل قرار تصميمي.
أولًا: الدماغ البشري لا يتحمل التركيز إلا على أربعة أشياء فقط في وقت واحد، لا لأنه ضعيف، بل لأنه يحمي نفسه. وهذا بالضبط ما يحدث حين تفتح تطبيقًا مكتظًا بالخيارات وتُغلقه دون أن تفعل شيئاً: لم تكن كسولًا، كان دماغك يرفض الاحتراق.
ثانيًا: أن الانتباه غائب ثلث وقتنا حتى في أيسر المهام، وقد يرتفع إلى سبعين بالمئة حين نمارس أمرًا روتينيًا. بمعنى آخر: المستخدم الذي "يتفاعل" مع تصميمك قد لا يراه فعلًا. مهمتك لا تبدأ بعد أن ينتبه، بل بإعادته من شروده.
ثالثًا -وهي الأثقل-: أن القصة تترك أثرًا في مناطق من الدماغ لا تصلها البيانات أبدًا. حين تقرأ رقمًا، يعالجه دماغك ويُخزّنه. حين تسمع قصة، تُشغَل فيك مناطق اللغة والحركة والمشاعر معًا، كأنك تعيش الحدث لا تقرأه. ولهذا يبقى الدرس المحكي في الذاكرة بينما تتلاشى شرائح العروض التقديمية بعد ساعات.
علمت أن هذا الكتاب ليس عن التصميم، بل هو كتاب عن الإنسان الذي يتعامل مع التصميم. علمني أن مشاعرنا المتقلبة، وسلوكياتنا التلقائية، وطريقة معالجة أدمغتنا للمعلومات ليست عيوب تحتاج لإصلاح، بل هي خريطة نحتاج لفهمها، لنبني ما يثري حياة الناس.