النشرة البريدية
التصميم الشامل: التطور الحتمي للتكنولوجيا

خُمس سكان العالم يختبرون الحياة بذهنٍ مغاير، وأغلب ما صمّمناه لم يُصمَّم لهم.

التصنيف
مقال
تاريخ النشر
10 May 2026

تخيل أنك تقف أمام باب زجاجي في مطار مزدحم، يدك مثقلة بالحقائب، لكن الباب يفتح تلقائيًا بمجرد اقترابك. هذه "الأبواب الذكية" هي ما اعتدنا تسميته بالتصميم الشامل (Inclusive Design)؛ حلول مادية وُجدت لتسهيل حركة الأجساد. لكن، ماذا لو كان العائق ليس في يدك، بل في "انتباهك"؟ ماذا لو كان التطبيق الذي تستخدمه يصرخ في وجهك بعشرات التنبيهات والألوان، في وقت يحاول فيه عقلك بصعوبة التركيز على مهمة واحدة؟

هنا، ننتقل من عالم "المادة" إلى عالم "الإدراك".

الفصل الذي فاتنا

في عام 2023، أصدر فريق التصميم في مايكروسوفت تحديثًا لافتًا لدليل "التصميم الشامل". لم يكن التحديث متعلقًا بوضوح الخطوط أو تباين الألوان فحسب، بل فتح فصلًا جديدًا بعنوان: "الإدراك" (Cognition). كانت الرسالة واضحة: التصميم الذي يتجاهل كيفية عمل العقل، هو تصميم يستبعد ملايين البشر.

لكن، ما هو "الإدراك" بعيدًا عن المصطلحات العلمية المعقدة؟

بينما يصفه قاموس أكسفورد بأنه "عملية تطوير الفهم"، وتعرّفه كامبريدج بـ «العمليات العقلية الواعية»، تبسط شركة (Cambridge Cognition) المفهوم في دليل مايكروسوفت بوصفه: النظام المسؤول عن استقبال المعلومات، تخزينها، ثم استرجاعها. هو ببساطة "المعالج" الذي يدير حياتنا اليومية، من حل المشكلات إلى اتخاذ أبسط القرارات.

وهم «المستخدم المثالي»

لسنوات، بُنيت التكنولوجيا حول فكرة مُريحة تُسمى «المستخدم المثالي»؛ وهو الشخص الذي يمتلك قدرة مثالية على التركيز، وذاكرة لا تخون، وهدوءًا لا يتأثر بالضجيج. لكن الواقع يقول إن نحو 20% من سكان العالم تعمل أدمغتهم بطريقة مختلفة؛ ما يُعرف بـ«التنوع العصبي» تمامًا كما تختلف بصماتنا وألوان أعيننا.

فالتطبيق الذي يبدو "سهلًا" لك، قد يمثل عائقًا حقيقيًا لشخص يعاني من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) أو اضطراب طيف التوحد، بسبب واجهاته المعقدة. وهنا تكمن المفارقة: عندما نصمم تجربة تناسب شخصًا يعاني من تشتت الانتباه، فإننا بالضرورة نجعلها أفضل وأكثر وضوحًا للجميع.

القيود التي نعيشها جميعنا

قد يعتقد البعض أن "التصميم للإدراك" موجّه فقط لفئة محددة، لكن الحقيقة أننا جميعًا نمر بحالات تعطل "معالجنا" الذهني.

يقسم خبراء التصميم هذه القيود إلى ثلاث حالات:

  • قيود دائمة: كالإعاقات الخَلقية التي ترافق الإنسان طوال حياته.
  • قيود مرتبطة بمراحل الحياة: مثل تراجع الذاكرة الطبيعي مع التقدم في السن.
  • قيود مؤقتة: وهي التي نختبرها يوميًا؛ المسافر الذي يحاول فهم لافتات بلغة يجهلها، الموظف المجهد من قلة النوم، أو حتى الأم التي تحاول إتمام شراء بقالة عبر هاتفها بينما يشتت طفلها انتباهها.

في تلك اللحظات، نصبح جميعًا بحاجة إلى تكنولوجيا تفهمنا.

كيف يتغير العالم؟

هذا التوجه بدأ يغير شكل الصناعات من حولنا:

في المطبخ، بدأت بعض منصات الطبخ تدرك أن هناك من يريد الوصول للخطوات مباشرة دون تشتيت، بينما يحتاج آخرون لتفاصيل دقيقة ليشعروا بالثقة في كل خطوة.

وفي السيارات، تتحول لوحة التحكم من شاشات مزدحمة إلى واجهات بسيطة تعيد تعريف "السلامة" كحالة ذهنية.

أما في الصناعات الدوائية، فأصبح استخدام الألوان والتسلسل البصري الواضح أداة جوهرية لتسهيل فهم الجرعات، خاصة في لحظات المرض والضعف التي يقل فيها تركيزنا.

الخاتمة: العودة إلى الإنسان

لقد برعنا لعقود في بناء أبواب تفتح لأجسادنا حين نقترب منها، وحان الوقت لبناء أبواب تفتح لعقولنا إذا احتجناها. التكنولوجيا الحقيقية ليست تلك التي تبهرنا بتعقيدها، بل تلك التي تتراجع بذكاء لتمنحنا مساحة للتنفس والفهم.

ومع تطور البيانات وقدرتها على تخصيص كل شيء، يبرز السؤال الأهم لكل مصمم ومبدع: ماذا يعني أن تُصمّم لعقل لا يشبه عقلك؟

المصدر الأصلي
إلى هنا...ونلتقي في مَطلَعٍ آخر 👋
نقترح عليك أيضًا
مقال

الفجوة المنسية: ما الذي يسقط من الاستبيان حين تغيب اللمسة البشرية؟

منشور

صفحة الهبوط والصفحة الرئيسية: لغتين لموقع واحد

مدونة صوتية

خلاصة تجارب مبتكر الآيفون

مقطع

تجربة دوولينجو: المستخدم المجاني ليس خسارة… هو الوقود