النشرة البريدية
حياة في الإدارة

خلف كل قرارٍ بشر، وخلف كل منصبٍ حكاية، هذا ما رواه القصيبي هنا.

فئات المحتوى
التصنيف
كتاب
تاريخ النشر
26 April 2026

بين أروقة المكاتب الفارهة، وتحت بريق الأضواء التي تُسلط على كبار المسؤولين، ثمة سؤال يتردد في الخفاء: هل تكمن لذة النجاح في الوصول إلى كرسي المدير الوثير، أم في الأقدام التي أدمتها الطرق الطويلة قبل أن تصل؟

في كتابه «حياة في الإدارة»، يضعنا غازي القصيبي أمام مشهد إنساني بعيد عن الرسميات. يتحدث عن رحلته ليصبح وزيرًا، ويبدأ حكايته من نقطة الصفر: «أود أن يعرف القراء الذين لم يسمعوا بي إلا مسؤولًا كبيرًا أني بدأت حياتي العملية، بدون مكتب…». هذا الكتاب ليس مجرد رصد للمناصب أو الألقاب، بل هو سردٌ لروحٍ عايشت التحديات والعثرات البيروقراطية، ليؤكد لنا حقيقة واحدة: النجاح الذي يأتي بالتدريج هو وحده ما يمنح الإنسان سعادة حقيقية.

صعود السلم.. درجة بدرجة

يؤمن القصيبي بفلسفة بسيطة وعميقة: «الذين يعرفون فرحة الوصول إلى أعلى السلم هم الذين بدأوا من أسفله. والذين يبدأون من أعلى السلم، لن يكون أمامهم إلا النزول». هذه الرؤية تحول المسؤولية من "وجاهة" إلى "أمانة"، فالمكتب الذي يجلس عليه الواحدُ منّا اليوم ليس ملكية خاصة، بل هو إرثٌ نستلمه من عهدٍ مضى لنسلمه لعهدٍ آت.

فخ الترقية وميراث الفوضى

الإصلاح الإداري في جوهره عملية تراكمية، لكن الواقع أحيانًا يصدمنا بنماذج تكسر هذا التراكم. أتذكر مديرًا ترقى مؤخراً لمنصب أكبر، وبسبب تمسكه المفرط بكل الصلاحيات حتى اللحظة الأخيرة، اضطر للتخلي عنها فجأة لمن هو أقل منه خبرة بكثير. لم يورّث هذا المدير نجاحًا، بل خلّف وراءه ارتباكًا كبيرًا؛ فقط لأنه لم يدرك أن جودة الخروج لا تقل أهمية عن جودة الأداء. في تلك اللحظة تدرك أنك «لم تكن مديرًا، بل كنت مجرد حارس لصلاحياتك».

ضريبة الإنجاز في بيئة "المتفرجين"

التحدي في العمل لا يقتصر على تسليم المهام اليومية، بل قد يأتيك من الجالسين في الظل. ثمة حقيقة قاسية يذكرها الكتاب: «أن الذين لا يعملون، يؤذي نفوسهم أن يعمل الناس». في هذه البيئات، يتحول نشاطك إلى مرآة تكشف عيوب الآخرين؛ حضورك وحده كافٍ لكشف غيابهم، واستمرارك في العطاء يزعج ركودهم، لذا يتحول جهدك في نظرهم إلى مادة للرصد والتقييم، لا لغرض التطوير، بل رغبةً في تعطيل العجلة.

السر في معرفة الذات

يختصر القصيبي تجربته في نصيحة حول الوعي بالإمكانات؛ فـ «إن اكتشاف المرء مجاله الحقيقي الذي تؤهله مواهبه الحقيقية لدخوله يوفّر عليه الكثير من خيبة الأمل». وحين يُسأل عن سر نجاحه، يأتي الرد بسيطًا: «إذا كان ثمة سر فهو أنني كنت، دومًا، أعرف مواطن ضعفي بقدر ما أعرف مواطن قوتي».

اليوم، وقد أتممت سنتي الرابعة في رحلتي المهنية، تبينّت لي أمورٌ كثيرة لم أكن لأدركها لولا المواجهة والتعلم، ولا تزال كتب السير هي المرشد الذي يختصر لي تجارب شخصيات عظيمة صاغت لنا حكاياها مدرعة بالحِكمة. نحن لا نقرأ لنعرف ماذا فعلوا، بل لنفهم كيف نصعد سلالمنا الخاصة باحثين عن أثرٍ يستحق أن نتركه خلفنا.


أين تقف أنت الآن من هذا السلم؟ وما هو الأثر الذي تتركه خلفك في عُهود من يخلفونك؟

إلى هنا...ونلتقي في مَطلَعٍ آخر 👋
نقترح عليك أيضًا
أداة

من تشتت المهام إلى وضوح الصورة مع ClickUp

مدونة صوتية

القادة آخر من يأكل